محمد هادي معرفة

217

التمهيد في علوم القرآن

وتكون الدلالة أوضح والبرهان أظهر عندما تعلم أنّ الذي نزلت عليه كان امّيّا لم يتلقّ العلم على يد أحد من البشر ولم يعرف بتجواله في الآفاق بحثا عن النظريات والدساتير الاصلاحية . يقول الشيخ محمّد أبو زهرة : إنّ ما اشتمل عليه القرآن من أحكام تتعلّق بتنظيم المجتمع وإقامة العلاقات بين آحاده على دعائم من المودّة والرحمة والعدالة لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية . وإذا وازنّا ما جاء في القرآن بما جاءت به قوانين اليونان والرومان وما قام به الاصلاحيون للقوانين والنظم وجدنا أنّ الموازنة فيها خروج عن التقدير المنطقي للأمور ، مع أنّ قانون الرومان أنشأته الدولة الرومانية في تجارب ثلاثمائة سنة وألف ، من وقت إنشاء مدينة روما إلى ما بعد خمسمائة من الميلاد . ومع أنّه قانون تعهّده علماء قيل إنهم ممتازون ، منهم : سولون الذي وضع قانون أثينا ، ومنهم : ليكورغ الذي وضع نظام اسبرطة . فجاء محمّد صلّى اللّه عليه وآله ومعه القرآن الذي ينطق بالحقّ عن اللّه سبحانه وتعالى من غير درس درسه ، وكان في بلد امّي ليس فيه معهد ولا جامعة ولامكان للتدريس ، وأتى بنظام للعلاقات الاجتماعية والتنظيم الانساني لم يسبقه سابق ولم يلحق به لا حق « 1 » . لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 2 » . هكذا جاء القرآن بشرائع راقية - فاق بها شرائع وضعتها البشرية - شاملة كاملة وكافلة لسعادة الإنسان في الدارين . فكانت معجزة خارقة ، ودليلا واضحا على صدق رسالة اللّه في الأرض .

--> ( 1 ) المعجزة الكبرى : ص 455 ، وراجع الفرقان والقرآن لخالد العكّ : ص 233 - 234 . ( 2 ) آل عمران : 164 .